محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

235

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الشيء من يده ويتبرّم ببقائه عنده ، فأكون قد أعنته على ما يحبّ » . وكان سري ، رضي اللّه عنه ، يوجّه إلى أحمد بن حنبل في حاجاته فيقبل منه ، وكان إذا ذكر عند أحمد بن حنبل رضي اللّه تعالى عنه يقول : ذلك الفتى المعروف بطيب الغذاء إنه ليعجبني أمره . وإن بلغت به الحاجات كلّ مبلغ وأشرف على الضعف ، وتحققت الضرورة وسأل مولاه فلم يقدّر له بشيء ووقته يضيق عن الكسب ، لشغله بحاله ، فعند ذلك يقرع باب السبب ، ويسأل من دون هؤلاء ممن جهل حاله . جاء في الأثر : « من جاع ، فلم يسأل ، فمات دخل النار » . وقد سأل الناس عند الحاجة ، والفاقة نبي اللّه تعالى موسى والخضر عليهما السلام ، لقوله تعالى : اسْتَطْعَما أَهْلَها [ الكهف : 77 ] . وكان أبو جعفر الحداد ، وهو شيخ الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنهما يسأل من باب أو بابين ، بين العشاءين ، ويكون ذلك معلومه عند حاجته من يوم أو يومين وكان له مقام في الزهد والتوكل ، قال أبو طالب : « ولم يعب هذا عليه عموم ولا خصوص » . ونقل عن أبي سعيد الخراز ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه كان يمد يده عند الفاقة ويقول : ثمّ شيء للّه . . ونقل عن إبراهيم بن أدهم ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه كان معتكفا بجامع البصرة مدة ، وكان يفطر في كل ثلاثة أيام ليلة ، وليلة إفطاره يطلب من الأبواب . وكان الثوري يسأل في البوادي من الحجاز إلى صنعاء اليمن . قال : كنت أذكر لهم حديثا في الضيافة . قال : فيخرجون إليّ طعاما ، فأتناول حاجتي وأترك ما يبقى . وليجتنب المريد الأكل بالدين وإرفاق النسوان . فإن قيل : كيف يردّ ما يعطاه في الوجوه التي حكمتم عليه بعدم الأخذ فيها ، وهو إنما يأخذ من يد ربّه ، كما تقدم ؟ وهل الرادّ لذلك إلّا رادّ على اللّه تعالى ، فكيف يستقيم ذلك ؟ فالجواب : أنّ القيام بحقّ الشريعة والطريقة لا بدّ منه ، والتوحيد لا ينافي ذلك . وقد قيل : « الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه » ، وكلّ باطن من العلم يخالف ظاهرا من الحكم فهو مردود . ووجه صحة الردّ للعطاء عند مشاهدة التوحيد ظاهر ؛ إذ لا فرق في ذلك بين يد المعطي ويد الآخذ ، فكما يشهد الآخذ يد اللّه تعالى في العطاء عند يد المعطي فيأخذ ما يعطاه عند موافقة العلم اتّباعا لإذن اللّه تعالى ، وأمره يشهد يد اللّه تعالى في المنع عند يد نفسه بالرد عند مخالفة العلم فلا يأخذه ولا يقبله اتّباعا لنهى اللّه